نحنا بنحكي – وديع الصافي ضمير لبنان .. ١٢ عام على الغياب

موسى عبدالله – نحنا: قبل ١٢ عام ، رحل رجلٌ لا يُقاس بعمرٍ ولا بتاريخ، بل بقيمةٍ صنعت هوية وطنٍ بأكمله. في الحادي عشر من تشرين أول/ أكتوبر رحل القدير وديع الصافي، وفقد لبنان صوته الأجمل، وصورته الأنقى، وضميره الغنائي الذي لم يخذله يومًا، لا في الحرب ولا في السلام.
لم يكن وديع الصافي فنانًا فحسب، بل كان رجل استقلالٍ من نوعٍ آخر، حارب بصوته، وحمل لبنان على أوتار صوته كما يحمل الأب طفله في العاصفة. كان المرفأ الذي تهدأ عنده القلوب، وكان البحر الذي لا يعرف الغدر، والريح التي لا تهبّ إلا بالخير.
حين يغنّي «لبنان يا قطعة سما»، لا نسمع صوتًا عاديا، بل نسمع نبض وطنٍ يتكلم، وذاكرة أجيالٍ كاملةٍ اختصرت في حنجرته تاريخ الجبال والوديان والأرز الخالد. كان لبنان كلّه يتنفس من صوته، يفرح معه، ويُشفى به، ويؤمن أن الفن يمكن أن يكون وطنا.
رحل وديع الصافي، وتيتمت الأغنية اللبنانية، وفقدت بعلبك عمودها الذي كانت تستند عليه، وبكت المسارح والخشبات غياب من كانت خطواته تزرع المجد في كل زاويةٍ يقف فيها. رحل وديع الصافي، المدرسة التي لم تغلق أبوابها بعد، لأن ألحانه ما زالت تُدرّس، وصوته ما زال المرجع الأصيل في فنّ الغناء النظيف، النابع من القلب إلى القلب.
كان معلّمًا في الوطنية قبل أن يكون أستاذًا في الموسيقى، وكان إنسانًا يعرف أن الفن رسالةٌ لا تُشترى ولا تُباع. ترك خلفه تلاميذ ومحبين كُثر، لكن عبء الإرث الذي تركه أكبر من أن يُحمل، وأعظم من أن يُختصر في أغانٍ أو تكريمات.
بعد أعوامٍ على الرحيل، يبقى السؤال واحدًا: من يملأ الفراغ الذي تركه الصافي؟
الجواب، ببساطة، لا أحد.
لأن من كان لبنان بصوته، لا يُستبدل، بل يُخلّد.
نم قرير العين يا وديع، يا من غنّيت للحياة فأكرمتها، وغنّيت للوطن فصار يغنّيك. لقد رحلت جسدًا، لكنك بقيت لنا قدّيس الفن اللبناني، ومعنى النقاء في زمنٍ فقد صوته.




