تقرير نحنا – الأغنية العربية قبل وبعد السوشيال ميديا.. رحلة من الإبداع إلى الاستهلاك السريع

موسى عبدالله – نحنا: شكّلت فترة التسعينات وحتى مطلع الألفية الثانية (2000 – 2010) العصر الذهبي للأغنية العربية، حيث كان الفن يتمتع بقيمة عالية ووزن حقيقي على الساحة الثقافية. خلال تلك المرحلة، كان الفنان يدخل الاستوديو ليعمل على مشروع غنائي متكامل، يتضمن أغنيات تُكتب وتُلحن بعناية، وتُنفذ بتقنيات احترافية، ثم تُطرح على شكل ألبومات متكاملة. وكان العمل الفني يحتاج إلى جهد، وقت، واستثمار مالي، وهو ما جعل الفنان يدرك أن النجاح يتطلب الصبر والإتقان.
العصر الذهبي: أغنيات تعيش في الذاكرة
في تلك الحقبة، لم تكن الأغنية مجرد مادة استهلاكية، بل كانت حدثاً فنياً ينتظره الجمهور.
• الألبوم الغنائي كان يُعامل كلوحة فنية كاملة.
• الفيديو كليب كان صناعة ضخمة تُعرض عبر قنوات متخصصة مثل “روتانا”، “ميلودي”، و”ART”، ما أضفى هالة من التميز على الفنان.
• انتشار الأغنية كان يعتمد على جودتها، وعلى دعم الإذاعات والتلفزيونات، لا على “الترند” اللحظي.
ولذلك، بقيت أغنيات التسعينات وبداية الألفية تعيش في الذاكرة حتى اليوم، من أعمال عمرو دياب، نجوى كرم، إليسا، كاظم الساهر، نوال الزغبي، جورج وسوف، وفضل شاكر وغيرهم.
دخول السوشيال ميديا: تغيير المعادلة
مع دخول مواقع التواصل الاجتماعي، ثم المنصات الرقمية مثل “يوتيوب”، “سبوتيفاي”، و”أنغامي”، انقلبت المعادلة رأساً على عقب.
• تسارع الإيقاع: الجمهور لم يعد ينتظر ألبوماً كاملاً، بل يكتفي بأغنية منفردة أو حتى “تيزر” قصير.
• الترند قبل الجودة: نجاح الأغنية لم يعد مرهوناً بروعة اللحن أو قوة الكلمة، بل بعدد المشاهدات، “اللايكات”، والتفاعل الافتراضي.
• غياب الهوية: معظم الأغنيات اليوم متشابهة في اللحن والتوزيع، وكأنها “منتج رقمي سريع”، لا يحمل روحاً فنية خاصة.
• سطحية المنافسة: كثير من الفنانين باتوا يركّزون على “الكليب الصادم” أو “الفكرة الغريبة” بدلاً من الكلمة والموسيقى.
النتيجة: تراجع القيمة الفنية
النتيجة الطبيعية لهذا التحول كانت تراجع الأغنية العربية من حيث القيمة الفنية. لم يعد الجمهور يتحدث عن أغنية تبقى في الذاكرة لسنوات، بل عن “هتّ” قصير العمر سرعان ما يختفي مع أغنية أخرى. حتى الفنان نفسه لم يعد يحرص على صناعة “تحفة فنية”، بل على تحقيق أرقام عالية في فترة زمنية وجيزة.
الأسباب الاجتماعية والثقافية
• تغيّر ذوق الجمهور: الجيل الجديد اعتاد على السرعة، ولم يعد يملك صبراً لسماع ألبوم كامل.
• تراجع دور الإعلام التقليدي: الإذاعات والتلفزيونات لم تعد المرجعية الأساسية، وحلّت محلها منصات غير مضبوطة بمعايير الجودة.
• تأثير العولمة الموسيقية: الانفتاح على الموسيقى الغربية والأنماط العالمية جعل الأغنية العربية تتأثر وتذوب أحياناً، ففقدت هويتها
شكّلت التسعينات وبداية الألفية العصر الذهبي للأغنية العربية بفضل الجدية، الجودة، والهوية الفنية. أما زمن السوشيال ميديا فقد حوّل الأغنية إلى منتج رقمي سريع الاستهلاك، ما أفقدها الكثير من قيمتها. وبين الماضي والحاضر، يبقى السؤال: هل يستطيع الفنانون العرب إعادة الاعتبار للأغنية، لتعود من جديد مرآةً حقيقية لثقافة وهوية الشعوب؟




