نحنا بنحكي

نحنا بنحكي – رامي عياش.. حين يصبح الوفاء أجمل من النجومية

موسى عبدالله – نحنا: ليست النجومية دائماً بما يحققه الفنان من نجاحات، ولا بما يحصده من أرقام أو بما يملكه من حضور جماهيري. فالنجومية الحقيقية قد تظهر أحياناً في مواقف بعيدة عن الأضواء، وفي مبادرات تكشف عن معدن الإنسان قبل الفنان، وعن قدرته على تحويل نجاحه الشخصي إلى قيمة إنسانية واجتماعية تتجاوز حدود الفن والشهرة.

وهنا، يحضر اسم النجم اللبناني رامي عياش، الذي لم تكن مسيرته يوماً محصورة بالغناء والمسرح والحفلات، بل امتدت إلى مساحة إنسانية واجتماعية وتربوية، جعلت منه نموذجاً للفنان الذي يدرك أن النجاح لا يكتمل إلا عندما يترك أثراً إيجابياً في حياة الآخرين.

بالأمس، عاد رامي عياش إلى مدرسته القديمة، “ناشونال كولدج”، ولكن هذه المرة لم يعد إليها طالباً يحمل أحلامه الأولى، بل نجماً يحمل في ذاكرته تفاصيل البدايات، وفي قلبه وفاءً لمكان كان شاهداً على طفولته وخطواته الفنية الأولى.

عاد رامي ليفتتح المسرح الذي تولّى إعادة تأهيله وترميمه، وهو المسرح نفسه الذي وقف على خشبته وغنّى للمرة الأولى، قبل أن يعرف طريقه إلى الشهرة والنجومية. وبين الأمس واليوم، سنوات طويلة من النجاح والتجارب والإنجازات، لكن شيئاً واحداً لم يتغيّر: انتماء رامي إلى المكان الذي احتضن أحلامه الأولى.

ولعلّ أجمل ما في هذه المبادرة أنها لم تكن مجرد عودة إلى الذكريات، بل كانت فعلاً حقيقياً لردّ الجميل. فكم من إنسان يعود إلى مدرسته بعد سنوات من النجاح ليستعيد صور الماضي، لكن الأجمل أن يعود ليمنح المكان شيئاً من نجاحه، وليفتح أمام أجيال جديدة الباب نفسه الذي انطلقت منه أحلامه.

لم يكتفِ رامي بالوقوف مجدداً على المسرح الذي شهد بداياته، بل أعاد إليه الحياة، وكأنّه أراد أن يقول إن الأماكن التي صنعت جزءاً من أحلامنا تستحق أن تبقى حيّة، وأن الوفاء لها لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالأفعال أيضاً.

وهنا تحديداً تتجلّى القيمة التربوية لهذه الخطوة. فالمسرح بالنسبة إلى طالب يمتلك موهبة فنية قد يكون أكثر من مجرد خشبة وستارة ومقاعد، قد يكون المساحة الأولى لاكتشاف الذات، والمكان الذي تتحوّل فيه الموهبة الصغيرة إلى حلم كبير. وهذا ما اختبره رامي بنفسه، ليعود اليوم ويمنح طلاب مدرسته فرصة اختبار المشاعر نفسها، وربما الانطلاق نحو مستقبل يشبه ما حلم به ذات يوم.

هذه المبادرة ليست بعيدة عن شخصية رامي عياش ومسيرته خارج الإطار الفني. فمن يعرف نشاطه الإنساني والاجتماعي، يدرك أن ما قام به في مدرسته ليس خطوة منفصلة عن تاريخه، بل امتداد طبيعي لقناعات رافقته على مدى سنوات.

فمن خلال جمعية “عياش الطفولة”، ارتبط اسم رامي بمبادرات تهتم بالأطفال وتضع احتياجاتهم ومستقبلهم في صلب الاهتمام. ولم يكن حضوره في هذا المجال مجرد نشاط موازٍ لمسيرته الفنية، بل شكّل جانباً أساسياً من صورته كإنسان يؤمن بأن للفنان مسؤولية تجاه مجتمعه، وأن الشهرة يمكن أن تتحوّل إلى وسيلة للعطاء.

واللافت في تجربة رامي أنه لا ينتظر مناسبة فنية ليؤكد حضوره، ولا يحصر علاقته بالناس في إطار الجمهور الذي يصفّق له. فهو يدرك أن العلاقة الحقيقية مع المجتمع تُبنى أيضاً من خلال المبادرات التي تلامس حياة الناس، وتحديداً الأجيال الصغيرة التي تحتاج إلى الدعم والتشجيع والإيمان بقدراتها.

وفي زمن تتسابق فيه الأسماء الفنية على تسجيل الحضور في المشهد الإعلامي، يختار رامي عياش أن يضيف إلى رصيده الفني رصيداً آخر، أكثر ارتباطاً بالإنسان وبالقيم التي تبقى بعد انطفاء الأضواء.

ولعلّ ما يمنح مبادرته الأخيرة خصوصيتها هو ذلك التلاقي بين الحنين والوفاء والمسؤولية. فالحنين أعاده إلى مدرسته، والوفاء دفعه إلى ردّ الجميل، أما المسؤولية فحوّلت هذه العودة إلى مشروع تربوي يستفيد منه طلاب اليوم وأجيال الغد.

لم ينسَ رامي الطفل الذي كانه، ولا المسرح الذي احتضن صوته للمرة الأولى، ولا المدرسة التي كانت جزءاً من تكوينه الإنساني والتعليمي. وهذه التفاصيل، على بساطتها، تقول الكثير عن شخصية فنان لم تسمح له النجومية بأن يبتعد عن جذوره.

إن أجمل ما يمكن أن يقدّمه الإنسان للمكان الذي انطلق منه، هو أن يعود إليه قادراً على منح الآخرين فرصة الانطلاق. وهذا بالضبط ما فعله رامي عياش.

قد يصفّق الجمهور للفنان على المسرح إعجاباً بصوته وموهبته، لكن هناك نوعاً آخر من التصفيق يستحقه الإنسان عندما يحوّل نجاحه إلى فعل وفاء وعطاء.

وبين رامي عياش الذي وقف طفلاً على خشبة مسرح مدرسته، ورامي عياش الذي عاد بعد سنوات ليعيد تأهيل المسرح نفسه، حكاية تتجاوز حدود الفن. إنها حكاية إنسان لم ينسَ من أين بدأ، وأراد أن يترك للأجيال القادمة ما هو أبعد من أغنية وذكرى.

وهنا تكمن قيمة رامي عياش الإنسان، الذي يدرك أن النجومية قد تمنح صاحبها مكانة، لكن الوفاء والعطاء هما ما يمنحان هذه المكانة معناها الحقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى