نحنا بنحكي

نحنا بنحكي – في عيد ميلاد عمرو دياب.. نحن أيضاً نكبر معه

موسى عبدالله – نحنا: أتمّ النجم المصري عمرو دياب عامه الخامس والستين في الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر. رقم قد يبدو كبيراً في حساب السنوات، لكنه يبدو مختلفاً تماماً حين يرتبط بإسم فنان رافق قصص الحب والفرح والخيبات والذكريات على امتداد أجيال. فمع كل عام يُضاف إلى عمر عمرو دياب، ثمة ملايين الأشخاص الذين يجدون أنفسهم أمام جزء من أعمارهم، أمام أغنية تعيدهم إلى حب قديم، أو صيف لا يُنسى، أو مرحلة من حياتهم ظنوا أنها مضت إلى الأبد.

ربما تكمن خصوصية عمرو دياب في أنه لم يكن مجرد مطرب نستمع إلى أغانيه ثم نمضي. لقد دخل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح صوته مرتبطاً بمناسبات ومشاعر وأماكن وأشخاص. هناك من أحب للمرة الأولى على وقع إحدى أغانيه، ومن عاش فراقاً قاسياً وكانت أغنية له رفيقة تلك المرحلة، ومن يعود اليوم إلى أعمال صدرت قبل عشرين أو ثلاثين عاماً، فيجد فيها نفسه كما كان، لا كما أصبح.

وهنا تحديداً تتجاوز العلاقة بين عمرو دياب وجمهوره حدود الإعجاب بفنان ناجح. إنها علاقة صنعتها السنوات، ورسّختها الذكريات، حتى بات من الصعب الفصل بين تاريخ أغانيه وتاريخ جزء كبير من الجمهور الذي نشأ عليها.

واللافت أن عمرو دياب، الذي بلغ الخامسة والستين، لا يزال يحتفظ بصورة فنية مرتبطة بالشباب والحيوية والحب. ليست المسألة في مظهره أو أناقته فحسب، بل في تلك الروح التي استطاع أن يحافظ عليها في موسيقاه وحضوره وشخصيته الفنية. فهو لا يتعامل مع عمره باعتباره عائقاً، ولا يبدو أسيراً للصورة التقليدية التي يُفترض أن يظهر بها الفنان عندما يتقدم في السن.

في عالم الغناء، كثيراً ما يصبح العمر معياراً لتحديد موقع الفنان وطبيعة ما يقدمه، لكن عمرو دياب استطاع أن يخرج من هذه المعادلة. ففي الخامسة والستين، لا يزال يغني الحب والشوق واللقاء والاشتياق، وهي المشاعر نفسها التي غناها في شبابه، من دون أن تبدو غريبة عن صورته الفنية أو بعيدة عن جمهوره.

ولعل المفارقة الأجمل أن جمهور عمرو دياب يكبر معه أيضاً. فالشاب الذي كان يستمع إلى أغانيه في التسعينيات أصبح اليوم أباً، وربما بات أولاده يستمعون إلى الفنان نفسه، ولكن بأغانٍ مختلفة وذكريات جديدة. وهكذا، لا يعود عمرو دياب مجرد اسم يجمع أجيالاً متعاقبة، بل يصبح نقطة التقاء بين ذكريات الآباء وتفاصيل حياة الأبناء.

ثمة أمر يصعب قياسه بالأرقام في تجربة عمرو دياب، وهو حجم المساحة التي يحتلها في الذاكرة العاطفية للناس. فنجاح الأغنية يمكن قياسه بالمبيعات والمشاهدات والاستماع، أما قدرتها على البقاء مرتبطة بإنسان بعد سنوات طويلة، فذلك نوع آخر من النجاح، لا تصنعه الحملات الإعلانية ولا تحدده قوائم الأكثر استماعاً.

قد ننسى تاريخ صدور أغنية، أو ترتيبها في ألبوم، أو عدد الأسابيع التي تصدرت خلالها القوائم، لكننا نادراً ما ننسى الشخص الذي كنا نفكر فيه عندما استمعنا إليها للمرة الأولى. وهذه واحدة من أهم المساحات التي استطاع عمرو دياب أن يحجزها لنفسه في وجدان جمهوره.

وربما لهذا السبب تحديداً، تبدو علاقته بالزمن مختلفة. فالسنوات التي تُضاف إلى عمره لا تبتعد به عن جمهوره، بل تضيف طبقات جديدة إلى العلاقة بينهما. كل مرحلة من مسيرته تحمل ذاكرة مختلفة، وكل جيل يجد في أغانيه ما يشبهه، حتى لو اختلفت طريقة الاستماع وتبدلت الأذواق الموسيقية.

وفي عيد ميلاده الخامس والستين، لا تبدو أهمية عمرو دياب في أنه لا يزال حاضراً على الساحة الغنائية، فهذا أمر تناولته التجارب النقدية مراراً. الأهم أنه استطاع أن يبقى حاضراً في حياة الناس، وأن تتحول أغانيه من أعمال فنية مرتبطة بسنوات صدورها إلى جزء من التاريخ الشخصي لمستمعيها.

إننا لا نحتفل بعيد ميلاد عمرو دياب لأننا نرفض أن يكبر، ولا لأننا نريد أن يبقى شاباً إلى الأبد. نحتفل به لأننا، ونحن نكبر، نكتشف أن بعض الأغاني لا تكبر بالطريقة نفسها التي نكبر بها. تبقى قادرة على إعادتنا إلى اللحظة الأولى، إلى الوجوه والأماكن والمشاعر التي تغيّرت أو غابت.

في عيد ميلاد عمرو دياب الخامس والستين، ربما لا يكون السؤال الأهم كم أصبح عمره، بل كم من أعمارنا عشنا على وقع أغانيه؟.

فكل عام يضاف إلى عمر عمرو دياب، يذكّرنا بعام آخر من أعمارنا، وبأننا لم نكن نستمع إلى أغانيه فقط، بل كنا نعيش معها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى