نحنا بنحكي – نجوى كرم.. عندما ينسى الإعلام أن أمامه تاريخاً لا خبراً عابرا

موسى عبدالله – نحنا: هناك شيء غير مفهوم في طريقة تعاطي جزء من الصحافة اللبنانية مع النجمة اللبنانية نجوى كرم، وكأننا أمام فنانة عابرة يمكن اختصار مسيرتها بخبر سلبي، أو مرحلة هدوء، أو أغنية لم تحقق الإجماع، وليس أمام اسم شكّل على مدى عقود واحدًا من أبرز وجوه الأغنية اللبنانية في الوطن العربي.
من حق الصحافة أن تنتقد نجوى كرم، ومن حق الناقد أن يقول إن أغنية لم تعجبه، أو إن ألبومًا لم يكن بمستوى التوقعات، أو إن خيارًا فنيًا لم يكن موفقًا. هذه هي الصحافة، وهذا هو النقد. لكن ثمة فارق كبير بين نقد العمل الفني وبين التعامل مع تاريخ فنانة وكأنه قابل للمحو عند أول فرصة.
في شباط/ فبراير الماضي، وصل الأمر بإحدى المؤسسات الإعلامية اللبنانية إلى نشر مادة تحت عنوان “هل انطفأت شمس نجوى كرم؟”، والحديث عن تراجع الطلب على حفلاتها وشعبيتها في لبنان، وصولًا إلى اعتبار أن اسمها لم يعد جذابًا على الساحة اللبنانية. كلام كبير بحق فنانة بحجم نجوى كرم، ولا يمكن المرور عليه وكأنه مجرد عنوان صحافي عابر.
وبعد أشهر، عادت نجوى كرم إلى الواجهة، وعاد معها نوع آخر من الجدل، وهذه المرة حول صوتها، حتى وصل النقاش عند البعض إلى الحديث عن الاعتزال وكأن مسيرة تمتد لنحو أربعة عقود يمكن اختصارها بهذه البساطة.
والسؤال هنا ليس: هل نجوى كرم فوق النقد؟
بالتأكيد لا.
السؤال الحقيقي: لماذا يبدو النقد بحق نجوى كرم في بعض الأحيان وكأنه ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على تاريخها كاملًا؟
نتحدث عن نجمة صنعت اسمًا كبيرًا على مدى عقود، وراكمت نجاحات ومحطات وأغنيات أصبحت جزءًا من ذاكرة الجمهور العربي، وحملت الأغنية اللبنانية إلى مساحة عربية واسعة، محافظة على هويتها ولهجتها وانتمائها الفني إلى لبنان. نجوى كرم لم تكن يومًا مجرد صوت ناجح، بل تحولت مع السنوات إلى واحدة من أبرز واجهات الفن اللبناني عربيًا، وإلى اسم ارتبط بلبنان أينما حضرت وغنّت.
نتحدث عن فنانة لم تركض خلف اللهجات بحثًا عن الانتشار، بل جعلت من اللهجة اللبنانية جزءًا أساسيًا من انتشارها. وعندما كانت نجوى كرم تقف على أهم المسارح العربية وتغني باللبناني، لم تكن تحمل اسمها وحده، بل كانت تحمل معها لونًا موسيقيًا ولهجة وهوية وبلدًا.
نجوى كرم ليست بحاجة اليوم إلى من يمنحها شهادة في النجومية. تاريخها منحها تلك الشهادة منذ سنوات طويلة.
لكن المؤسف أن الفنان اللبناني كثيرًا ما يجد الاحتفاء الأكبر خارج بلده، بينما يكون بعض إعلام بلده الأسرع إلى التشكيك به. وهذه تحديدًا من النقاط التي يكررها جمهور نجوى كرم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصًا منصة «إكس»، حيث يتكرر العتب على الإعلام اللبناني وطريقة تعاطيه معها، مقابل الاحتفاء الذي تحظى به أسماء فنية أخرى.
ولا يعني ذلك أن كل الصحافة اللبنانية ضد نجوى كرم، فهذا تعميم غير عادل، كما أن نجوى نفسها حظيت وتحظى بتغطيات إيجابية من مؤسسات وصحافيين لبنانيين. لكن وجود هذا الشعور المتكرر لدى شريحة واسعة من جمهورها يستحق التوقف عنده، خصوصًا عندما يجد الجمهور أمامه مواد صحافية تتساءل عن “انطفاء” نجمة صنعت كل هذا التاريخ.
والأرقام والمشهد الحالي يفرضان سؤالًا آخر.
قبل أيام، وقفت نجوى كرم على مسرح كوكا كولا أرينا في دبي، وقدمت حفلًا امتدت وصلته الغنائية بين ساعتين ونصف وثلاث ساعات، بمرافقة أوركسترا كبيرة بقيادة المايسترو وليد فايد، متنقلة بين أرشيفها الغنائي وأعمالها الجديدة.
فهل هذه صورة فنانة “انطفأت”؟
وفي الوقت الذي قُرئ فيه غيابها عن لبنان على أنه تراجع في الطلب عليها، خرجت نجوى نفسها قبل أيام لتكشف أنها كانت تستعد لإحياء حفلات ومهرجانات كبيرة في لبنان، إلا أن الظروف التي مر بها البلد والمنطقة حالت دون ذلك، مؤكدة أن ما يحدث في لبنان ينعكس عليها شخصيًا وعلى رغبتها في الغناء.
يمكن أن نختلف مع نجوى كرم فنيًا، ويمكن أن نفضل نجوى التسعينيات على نجوى اليوم، ويمكن أن نناقش خياراتها وأغنياتها وإدارتها لمسيرتها وحتى فترات غيابها. كل ذلك مشروع.
لكن ما ليس منطقيًا أن نتصرف مع كل مرحلة هدوء وكأنها نهاية، ومع كل ملاحظة على الصوت وكأنها دعوة للاعتزال، ومع كل غياب وكأن التاريخ سقط فجأة.
الأصوات تتغير مع السنوات. الأذواق تتغير. السوق يتغير. حتى مفهوم النجومية نفسه تغير. لكن التاريخ لا يتغير بهذه السهولة.
ونجوى كرم لديها تاريخ.
تاريخ لا يعني أنها تعيش عليه، ولا يعني إعفاءها من النقد، لكنه يفرض حدًا أدنى من الإنصاف عند الحديث عنها.
هي واحدة من أبرز الامتدادات الحديثة لمدرسة الأغنية اللبنانية التي صنعت للبنان هويته الفنية في العالم العربي. جيل سبقها حمل الأغنية اللبنانية إلى الناس، ونجوى كانت من أبرز الذين تسلموا هذه الراية وحافظوا عليها لعقود، بأسلوبها ولهجتها وصوتها وشخصيتها الفنية الخاصة.
لذلك، ربما المشكلة ليست في أن الصحافة اللبنانية تنتقد نجوى كرم.
المشكلة في كيف تنتقدها.
هناك فارق بين أن تسأل أين أخطأت نجوى كرم، وبين أن تسأل إن كانت شمسها قد انطفأت. فارق بين أن تناقش أداءها اليوم، وبين أن تتعامل معها وكأن عقودًا من العمل والنجاحات والحضور العربي يمكن إسقاطها بعنوان.
ومن حق جمهور نجوى أن يغضب عندما يشعر أن نجمة بلده لا تنال من بعض إعلام بلدها التقدير نفسه الذي تلقاه خارجه. ومن حق الصحافة أيضًا أن تنتقدها، لكن من واجبها في الوقت نفسه أن تحفظ ميزانًا دقيقًا بين النقد وبين الإنصاف.
لأن نجوى كرم في النهاية ليست ملك جمهورها وحده.
نجوى كرم جزء من ذاكرة الأغنية اللبنانية.
وقد نختلف على أغنية، وعلى ألبوم، وعلى صوت، وعلى مرحلة كاملة، لكن هناك أشياء أكبر من اختلافاتنا الآنية.
هناك تاريخ.
والتاريخ لا يُطفأ بعنوان.




