نحنا بنحكي – نانسي عجرم لا تساوم على الصورة.. “بستفزك” انتصار للإنتاج الحقيقي

موسى عبدالله – نحنا: في زمن بات فيه الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة في صناعة المحتوى البصري “الفيديو كليب”، وأصبحت التكنولوجيا قادرة على اختصار الكثير من الجهد والتكاليف الإنتاجية، اختارت النجمة اللبنانية نانسي عجرم أن تسير في اتجاه مختلف، وأن تتمسك بقيمة الصورة الحقيقية، وبالفيديو كليب الذي يحمل فكرة وروحاً وحكاية، ويترك أثراً في ذاكرة الجمهور.
من خلال فيديو كليب أغنيتها الجديدة “بستفزك”، تقدم نانسي عجرم نموذجاً فنياً يستحق التوقف عنده، ليس فقط بسبب ضخامة الإنتاج أو جمالية الصورة، وإنما بسبب الرؤية الفنية التي تقف خلف العمل، والإصرار على تقديم فيديو كليب متكامل العناصر، في وقت أصبحت فيه الحلول التكنولوجية السريعة خياراً حاضراً أمام الكثير من صناع المحتوى.
نانسي عجرم لم تبحث عن الطريق الأسهل، بل اختارت الطريق الذي يمنح العمل قيمته الفنية. وهذا ما يظهر بوضوح في “بستفزك”، الذي يحمل توقيع المخرج جو بو عيد، حيث الإنتاج الضخم، والاهتمام بالتفاصيل، والديكورات، والأزياء، وحركة الكاميرا، وصولاً إلى بناء قصة متكاملة لا تكتفي بمرافقة الأغنية بصريًا، بل تمنحها حياة أخرى.
والأجمل أن نانسي لم تذهب إلى فكرة منفصلة عن تاريخها الفني، بل عادت إلى واحد من أشهر أعمالها المصورة “ما تيجي هنا”، الذي صدر عام 2014، لتستكمل حكايته بعد اثني عشر عام، في خطوة ذكية تحمل الكثير من الحنين، وتؤكد أن الفيديو كليب الناجح قادر على البقاء في ذاكرة الجمهور سنوات طويلة.
في “ما تيجي هنا”، بدأت الحكاية بقصة حب ضمن أجواء شعبية بسيطة، لتعود نانسي في “بستفزك” وتكشف كيف تطورت تلك العلاقة، وكيف تحولت قصة الحب إلى حياة زوجية وعائلة تضم خمسة أطفال. إنها ليست مجرد عودة إلى فكرة قديمة، بل استثمار فني جميل في ذاكرة الجمهور، وربط بين مرحلتين من مسيرة نانسي عجرم، بأسلوب يحمل خفة الظل والذكاء والبساطة.
وهنا تكمن أهمية الفكرة، فبدل الاكتفاء بفيديو كليب يعتمد على جمالية المشاهد، اختارت نانسي أن تقدم حكاية لها بداية وامتداد ونهاية، وأن تمنح الجمهور فرصة لاستعادة ذكريات عمل أحبه قبل سنوات، واكتشاف فصل جديد من قصته.
لكن القيمة الأكبر في “بستفزك” تتجاوز حدود الفكرة نفسها، وتصل إلى موقف نانسي عجرم من صناعة الفيديو كليب.
ففي مرحلة يتجه فيها جزء من الإنتاج البصري نحو الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، تأتي نانسي لتؤكد بأفعالها أن الاستثمار في الصورة الحقيقية لا يزال يستحق الميزانيات الكبيرة، وأن الفيديو كليب ليس مجرد وسيلة لتسويق أغنية، بل عمل فني قائم بذاته، يحتاج إلى رؤية إخراجية وإنتاجية واضحة.
ومن يتأمل حجم العمل المبذول في “بستفزك”، يدرك أن نانسي لا تتعامل مع الفيديو كليب باعتباره تفصيلاً ثانوياً في مسيرتها، بل تمنحه الاهتمام الذي يستحقه، وتتعامل مع كل إصدار باعتباره فرصة لتقديم تجربة بصرية جديدة لجمهورها.
وهذا السخاء الإنتاجي ليس تفصيلاً عابرا، بل يعكس احتراماً واضحاً للعمل الفني وللجمهور في الوقت نفسه. فنانة بحجم نانسي عجرم، وبعد كل هذه السنوات من النجاحات، كان بإمكانها الاكتفاء بأبسط الحلول البصرية، مستندة إلى جماهيريتها الكبيرة وحضورها المستمر، لكنها اختارت أن تستثمر في عمل ضخم، وأن تقدم صورة غنية بالتفاصيل والحياة.
ولعل ما يميز هذه التجربة أن نانسي لا تبدو منشغلة بمجاراة كل تحول تكنولوجي على حساب هويتها الفنية، بل تضع الفكرة والإحساس الإنساني في مقدمة أولوياتها. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يلغي قيمة الأداء الحقيقي، ولا يعوض بالضرورة ذلك التفاعل الإنساني الذي تصنعه الشخصيات أمام الكاميرا، وتمنحه المواقف والتفاصيل الصغيرة صدقه وحيويته.
نانسي عجرم في “بستفزك” لا تقدم فيديو كليب وحسب، بل تعيد التذكير بقيمة فن كاد يفقد شيئاً من وهجه وسط التحولات الرقمية المتسارعة.
واللافت أيضاً أن العودة إلى “ما تيجي هنا” تكشف عن فهم عميق لأهمية الإستمرارية الفنية. فالأعمال الناجحة لا تنتهي بانتهاء فترة عرضها أو تراجع مشاهداتها اليومية، بل تبقى حاضرة في وجدان الجمهور، ويمكن العودة إليها بأفكار جديدة تمنحها عمراً آخر. وهذا تحديداً ما فعلته نانسي، حين حولت أغنية صدرت قبل اثني عشر عامًا إلى نقطة انطلاق لحكاية جديدة.
ما قدمته نانسي عجرم في “بستفزك” يستحق الإشادة، لأنه يعكس إيماناً حقيقياً بالفيديو كليب كفن مستقل، وبأهمية الإنفاق على الإنتاج الجيد، وبضرورة تقديم أفكار تتجاوز حدود الصورة الجميلة إلى الصورة التي تحمل معنى وذاكرة.
وفي النهاية، لا تكمن قوة نانسي عجرم في قدرتها على مواكبة العصر فحسب، بل في معرفتها بما يجب أن تحافظ عليه وسط كل هذا التغيير. إنها تدرك أن التكنولوجيا تتطور، وأن أدوات الإنتاج تتبدل، لكن ما يصل إلى الجمهور ويبقى في ذاكرته هو العمل الذي يحمل روحاً وفكرة وإحساس.
وبين صورة يمكن صناعتها بضغطة زر، وصورة تحتاج إلى رؤية وجهد وإنتاج وحياة، اختارت نانسي عجرم أن تمنح الصورة روحها، وأن تعيد إلى الفيديو كليب مكانته التي يستحقها.




