نحنا بنحكي – نانسي عجرم وازدواجية النقد.. حيت تتحول الإحترافية الى مادة للهجوم

موسى عبدالله – نحنا: ليس غريباً أن تتعرض فنانة لوعكة صحية تؤثر على صوتها، لكن الغريب فعلاً أن تتحول وعكة صحية عابرة إلى مادة للهجوم والإنتقاد على مواقع التواصل الإجتماعي، وكأن الفنان مطالب بأن يكون آلة لا تمرض ولا تتعب ولا تتأثر بأي ظرف صحي!.
هذا ما حدث مع النجمة اللبنانية نانسي عجرم، التي أحيت مساء أول من أمس حفلاً غنائياً على مسرح كوكا كولا أرينا في دبي، بحضور آلاف الأشخاص الذين جاؤوا للإستمتاع بأغانيها وحضورها الفني. ورغم الوعكة الصحية التي تعرضت لها وانعكست على صوتها، أصرت نانسي على إحياء الحفل والوفاء بالتزامها تجاه الجمهور والجهة المنظمة، ولم تتردد في مصارحة الحاضرين بحالتها الصحية.
فأين المشكلة؟ وهل أصبح المرض تهمة تستوجب محاكمة الفنان على مواقع التواصل الإجتماعي؟
نانسي عجرم ليست فنانة صاعدة تخوض اختبارها الأول أمام الجمهور، وليست بحاجة إلى إثبات قدراتها الغنائية لأحد. نحن نتحدث عن نجمة تمتلك تاريخاً طويلاً من الحفلات المباشرة، وعن فنانة اعتادت الوقوف على أكبر المسارح والغناء أمام عشرات الآلاف، وقدمت على امتداد مسيرتها عشرات الحفلات التي تشهد على إمكاناتها الصوتية وحضورها المسرحي.
ومن يعرف نانسي عجرم فنيا، يعرف جيداً أنها من الفنانات اللواتي يتمتعن بقدرة واضحة على الغناء لايڤ، وأن صوتها كان ولا يزال أحد أبرز عناصر نجاحها. وبالتالي، فإن الحكم على قدراتها الغنائية انطلاقاً من حفل واحد تأثر خلاله صوتها بوعكة صحية، ليس نقداً فنياً منصفا، بل تجاهل لتاريخ كامل من الأداء والحفلات.
والأغرب من ذلك أن الجمهور الذي حضر الحفل بالآلاف لم يجد في حالتها الصحية سبباً للإعتراض، بل تفاعل معها ومع أغانيها، بينما انشغل البعض خلف شاشات الهواتف بتداول مقاطع مصورة وإطلاق الأحكام على صوتها وأدائها.
وهنا لا بد من التمييز بين النقد الفني الحقيقي، الذي يستند إلى معرفة بالموسيقى وتقنيات الغناء، وبين التعليقات العشوائية التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الإنصاف. فمن السهل جداً اقتطاع مقطع قصير من حفل غنائي والحديث عن نشاز أو ضعف في الأداء، لكن الأصعب هو فهم الظروف التي أحاطت بهذا الأداء، والتمييز بين مشكلة صوتية مؤقتة ناتجة عن المرض وبين القدرات الفنية الحقيقية للمطرب.
ثم لماذا يُطلب من الفنان ما لا يُطلب من سواه؟
الفنان إنسان قبل أي شيء آخر، يتعرض للإنفلونزا والتعب والإرهاق والوعكات الصحية تماماً كأي شخص. والصوت، باعتباره الأداة الأساسية للمطرب، يتأثر بطبيعة الحال بالحالة الصحية. وهذه حقيقة بديهية لا تحتاج إلى نقاش طويل أو إلى خبرة موسيقية استثنائية لفهمها.
أما قرار نانسي عجرم إحياء الحفل رغم ظروفها الصحية، فيمكن قراءته من زاوية أخرى أكثر إنصافا، وهي الإحترافية واحترام الإلتزامات. فإلغاء حفل جماهيري بهذا الحجم ليس قراراً بسيطا، خصوصاً عندما تكون هناك عقود وجهة منظمة وآلاف الأشخاص الذين اشتروا تذاكرهم ورتبوا مواعيدهم لحضور الحفل.
وبدلاً من تقدير حرصها على لقاء جمهورها رغم مرضها، وجد البعض في تأثر صوتها فرصة لشن هجوم لا يراعي أبسط الظروف الإنسانية.
ولا يعني ذلك أن الفنان فوق النقد، أو أن نانسي عجرم لا يمكن انتقاد أدائها. على العكس تماما، فكل فنان معرض للنقد، مهما بلغت نجوميته وتاريخه. لكن النقد شيء، واستغلال ظرف صحي عابر للتشكيك في قدرات فنانة أثبتت نفسها طوال سنوات شيء آخر تماما.
نانسي عجرم لا تحتاج إلى شهادة حسن أداء من مواقع التواصل الاجتماعي. تاريخها الفني وحفلاتها المباشرة ونجاحاتها الجماهيرية أكبر من أن تختصرها تعليقات متسرعة أو مقاطع مجتزأة من حفل واحد.
وإذا كان البعض قد سمع نشازاً في لحظة معينة من الحفل، فهذا لا يلغي حقيقة أن الصوت البشري يتأثر بالمرض، ولا يمنح أحداً الحق في تحويل الملاحظة الفنية إلى حملة تجريح أو تشكيك في موهبة فنانة.
المشكلة الحقيقية ليست في أن نانسي عجرم غنّت وهي مريضة، بل في العقلية التي تتعامل مع الفنان وكأنه مطالب بالكمال المطلق في كل ظهور، وتنسى أنه إنسان قد يمر بيوم صحي صعب، من دون أن يفقد شيئاً من موهبته أو تاريخه أو مكانته.
في النهاية، نانسي عجرم التي عرفها الجمهور على امتداد سنوات طويلة بصوتها وحضورها وأدائها المباشر، لن يغيّر من صورتها الفنية حفل تأثر فيه صوتها بسبب وعكة صحية.
فنانة بحجم نانسي عجرم لا يُختصر تاريخها بوعكة صحية، ولا تُقاس موهبتها بمقطع فيديو، ولا تحتاج إلى الدفاع عن صوتها أمام كل من قرر أن يتحول إلى ناقد موسيقي خلف شاشة هاتفه.
وقبل أن نحاسب الفنان على لحظة ضعف فرضتها عليه ظروفه الصحية، علينا أن نتذكر حقيقة بسيطة جدا: الفنان إنسان أيضا، ومن حقه أن يمرض، ومن حقه أن يجد من الجمهور تفهماً بدلاً من الهجوم.




