نحنا بنحكي

نحنا بنحكي – ”أكرهها”.. عندما صنع كاظم الساهر واحدة من أعظم الأغنيات في تاريخ الأغنية العربية

موسى عبدالله – نحنا: هناك أغانٍ تحقق النجاح، وهناك أعمال تتحول إلى محطات فنية لا يمكن تجاوزها مهما مر عليها الزمن. ومن دون مبالغة، تنتمي قصيدة “أكرهها” للنجم العراقي كاظم الساهر إلى الفئة الثانية. فهي ليست مجرد قصيدة غنائية، بل تجربة فنية متكاملة جمعت بين شاعر استثنائي هو الراحل نزار قباني، وملحن ومطرب امتلك رؤية موسيقية مختلفة تمثلت في كاظم الساهر.

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها المطلع “أكرهها وأشتهي وصلها.. وإنني أحب كرهي لها”، يدرك المستمع أنه أمام نص شعري غير اعتيادي. نص يقوم على التناقض، ويغوص في أعماق النفس البشرية، حيث يمتزج الحب بالكراهية، والاشتياق بالرفض، والانجذاب بالنفور. لم يكتب نزار قباني قصيدة عن قصة حب تقليدية، بل رسم حالة إنسانية معقدة، مليئة بالصراع الداخلي، وجعل من التناقض بطلاً حقيقياً للنص.

قوة القصيدة لا تكمن في مفرداتها فحسب، بل في الصور الشعرية التي تتوالى بصورة مدهشة. من تشبيه العين بعين الذئب المحتال، إلى وصف الجنون الذي يسكن الأحداق، وصولاً إلى التحولات النفسية الحادة بين الشك واليقين، وبين الرغبة في العناق والرغبة في الانتقام. كل بيت يحمل صورة مختلفة، وكل صورة تفتح باباً جديداً لفهم الشخصية التي يتحدث عنها النص.

لكن عبقرية هذا العمل لم تتوقف عند الكلمات، بل بدأت فعلياً مع اللحن الذي وضعه كاظم الساهر بنفسه. هنا تظهر شخصية الساهر كملحن استثنائي، استطاع أن يقرأ النص قبل أن يلحنه، وأن يفهم نبض كل كلمة ومعناها، ثم يحولها إلى موسيقى تنطق بما تعجز عنه الكلمات.

لم يعتمد الساهر على جملة لحنية واحدة تتكرر، بل بنى العمل على مجموعة من الجمل الموسيقية المتغيرة، وكأن كل مقطع يحمل شخصية مستقلة، ثم تعود هذه الشخصيات لتلتقي داخل لوحة موسيقية واحدة. ينتقل اللحن بين الهدوء والانفعال، وبين الكبرياء والانكسار، وبين الصعود والهبوط، في انسجام كامل مع الحالة النفسية التي رسمها نزار قباني. هذه التركيبة اللحنية العميقة جعلت القصيدة تبدو وكأنها مسرح موسيقي متكامل، لا مجرد أغنية.

أما الأداء، فكان واحداً من أعظم ما قدمه كاظم الساهر في مسيرته. لم يغنِّ الكلمات فقط، بل عاشها بكل تفاصيلها. تحكمه بالصوت كان استثنائيا، تنقل بين طبقات القرار والجواب بسلاسة لافتة، واستخدم التحليات والزخارف الصوتية في أماكنها الدقيقة، دون استعراض أو مبالغة. كل جملة غنائية جاءت محملة بإحساسها الخاص، حتى بدا وكأنه يمثل القصيدة بصوته قبل أن يغنيها.

ولهذا السبب تحديداً، لم تكن “أكرهها” قصيدة تُسمع فحسب، بل قصيدة تُعاش. عمل غنائي يضرب المستمع في العمق، ويضعه أمام حالة شعورية متقلبة، فلا يترك له فرصة للحياد. إنها من تلك الأعمال التي تفرض حضورها منذ اللحظة الأولى، وتبقى عالقة في الذاكرة مهما تعاقبت السنوات.

وعندما صدرت عام 1999، لم تكن مجرد إصدار جديد في رصيد كاظم الساهر، بل شكلت حدثاً فنياً حقيقياً. تصدرت الإذاعات والمحطات التلفزيونية، وانتشرت في مختلف أنحاء العالم العربي، وحققت حضوراً جماهيرياً واسعاً، لتصبح واحدة من أكثر القصائد الغنائية رسوخاً في ذاكرة الجمهور العربي.

بعد أكثر من ربع قرن على صدورها، ما زالت “أكرهها” تحتفظ بقيمتها الفنية الكاملة. فهي ليست رهينة زمنها، بل عمل تجاوز الزمن، لأن عناصره الأساسية جاءت مكتملة، نص شعري من طراز رفيع، ولحن بالغ العمق، وأداء استثنائي، اجتمعت جميعها لتقدم عملاً يمكن اعتباره بحق من أجمل القصائد الغنائية التي غناها كاظم الساهر، بل ومن أبرز وأهم القصائد المغناة في تاريخ الأغنية العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى