نحنا بنحكي – “لا يفوتك”.. ألبوم يعكس نضج أيمن الأعتر واختياراته الفنية

موسى عبدالله – نحنا: يؤكد الفنان الليبي أيمن الأعتر في ألبومه الجديد “لا يفوتك” على أنه واحد من الأصوات العربية القليلة القادرة على تقديم أكثر من لون غنائي وأكثر من لهجة عربية بالمستوى نفسه من الجودة والإتقان. فالألبوم، الذي صدر قبل أسابيع قليلة، لا يكتفي بتقديم مجموعة من الأغنيات المتنوعة، بل يعكس رؤية فنية واضحة قائمة على التنويع والابتعاد عن التكرار، حيث ضم 15 أغنية تتوزع بين عدة لهجات عربية، مع حضور أكبر للأغنية الخليجية التي استحوذت على الحصة الأكبر من العمل.
ويُحسب لأيمن الأعتر نجاحه في تقديم هذا التنوع داخل ألبوم واحد، لأن الإنتقال بين خمس لهجات عربية ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى صوت يمتلك المرونة والخبرة والقدرة على التأقلم مع خصوصية كل لون غنائي. وهذا ما نجح في تحقيقه، إذ بدا متمكناً في كل محطة، مقدماً أعمالاً تخاطب شرائح مختلفة من الجمهور العربي، وهو ما يمنح الألبوم قيمة فنية إضافية.
وعند التوقف أمام الأغنية الخليجية، التي تشكل العمود الفقري للألبوم، يظهر بوضوح حسن اختيار المواضيع. فقد جاءت النصوص متنوعة، بعيدة عن التكرار، وتحمل أفكاراً مختلفة، وهو ما انعكس إيجاباً على هوية الألبوم. كما أن الألحان لم تعتمد على قالب موسيقي واحد، بل جاءت متنوعة من حيث البناء والجمل اللحنية والتنقلات الموسيقية، الأمر الذي أظهر إمكانيات أيمن الأعتر الصوتية بشكل لافت، ومنحه مساحة واسعة لإبراز قدراته في الأداء.
ولم يتوقف التميز عند حدود الكلمات والألحان، بل امتد أيضاً إلى التوزيع الموسيقي، حيث نجح صناع العمل في الابتعاد عن النمطية، فجاءت التوزيعات حديثة ومتجددة، من دون الوقوع في فخ التكرار، وهو ما منح الأغنيات روحاً مختلفة، وأسهم في تقديم الأغنية الخليجية بصورة أكثر حيوية وتنوعاً. وهذه نقطة تُحسب لأيمن الأعتر كما تُحسب أيضاً لفريق العمل الذي شاركه صناعة هذا المشروع.
أما على صعيد الأغنية اللبنانية، فقد نجح أيمن في دخول هذا اللون بأسلوب مختلف عن السائد حاليا. إذ اختار قالباً رومانسياً هادئاً بأغنية “مجنون متلي”، قريباً من الإحساس، بعيداً عن الاستسهال أو تقليد الأعمال المنتشرة، فجاءت النتيجة طبيعية ومقنعة، وأثبت من خلالها أنه قادر أيضاً على التعامل مع الأغنية اللبنانية بروحها الخاصة، مع الحفاظ على شخصيته الفنية.
وفي المقابل، حملت الأغنيات المصرية جانباً جيداً من حيث التنويع والإختيارات، إلا أنه كان بالإمكان الذهاب إلى أفكار أكثر عمقاً وقوة على مستوى المواضيع. وهذا لا ينتقص من جودة ما قُدم، بل يعكس فقط أن مستوى الأغنية الخليجية في الألبوم كان أعلى من ناحية الفكرة والطرح، وهو ما جعل المقارنة تصب في مصلحة هذا اللون الغنائي. ومع ذلك، تبقى الأغنيات المصرية إضافة جميلة ضمن التنوع الذي يقدمه الألبوم.
بشكل عام، يقدم “لا يفوتك” تجربة غنائية متكاملة تؤكد أن أيمن الأعتر لم يعد يبحث فقط عن أغنية ناجحة، بل عن مشروع فني متكامل يحمل هوية واضحة. ويستحق الملحن السعودي السهم الإشادة على إشرافه الفني على هذا الألبوم، إذ ساهم مع أيمن في بناء عمل متماسك ومتوازن، يجمع بين اختلاف اللهجات وتنوع الأفكار، مع المحافظة على هوية واحدة للألبوم.
كما أن الفترة الطويلة التي استغرقها التحضير لهذا المشروع، والتي تجاوزت العامين، انعكست بوضوح على النتيجة النهائية، إذ خرج الألبوم بصورة فنية مدروسة، سواء على مستوى اختيار الأغنيات أو تنفيذها، ليشكل عودة قوية لأيمن الأعتر إلى عالم الألبومات بعد سنوات من الغياب.
وفي المحصلة، يمكن تصنيف “لا يفوتك” ضمن الأعمال العربية المميزة لهذا العام، فهو ألبوم نجح في الجمع بين التنوع والجودة، وأثبت مرة جديدة أن أيمن الأعتر يمتلك صوتاً قادراً على التنقل بين المدارس الغنائية المختلفة من دون أن يفقد هويته الفنية. ويبقى التحدي الأهم في المرحلة المقبلة هو مواصلة دعم الألبوم وتسويقه بالشكل الذي يستحقه، ليصل إلى أكبر شريحة ممكنة من الجمهور العربي.




