نحنا بنحكي

نحنا بنحكي – جوائز بلا قيمة.. التكريم في العالم العربي بين المجاملة وفقدان المصداقية

موسى عبدالله – نحنا: منذ عقود، شكّلت جوائز التكريم في الساحة الفنية العربية حدثًا منتظرًا للفنانين والجمهور على حد سواء، حيث كان يُنظر إليها كوسام شرف يضاف إلى مسيرة الفنان ويكرّس مكانته في ذاكرة الفن. لكن مع مرور الوقت، ومع تضاعف عدد المهرجانات وتكاثر الألقاب والجوائز، تحوّلت هذه المناسبات من منصات للاحتفاء الحقيقي بالإبداع، إلى مجرد عروض بروتوكولية فاقدة للمصداقية.

تكريم بالمجاملة لا بالاستحقاق

المتابع اليوم للمشهد يلاحظ بوضوح أن معظم الجوائز لا تُمنح على أساس إنجاز فني أو نجاح جماهيري، بل على قاعدة العلاقات الشخصية، وشبكات المصالح بين الفنانين، والجهات المنظمة، ورعاة المهرجانات. التكريم أحيانًا يُصبح وسيلة لتلميع صورة مهرجان ما أو تعزيز علاقة مع فنان معيّن، أكثر مما هو فعل تقدير لموهبة أو مسيرة. وهكذا، يغدو اللقب بلا قيمة: “أفضل مطرب”، “سفير الأغنية”، “أسطورة الفن”، عبارات فضفاضة تُوزّع على أكثر من اسم في السنة نفسها وكأنها عناوين عريضة للبيع لا شهادات تقدير.

فقدان القيمة الرمزية

الجوائز التي كان يُفترض أن ترفع الفنان وتُخلّد إنجازاته، لم تعد اليوم قادرة على لعب هذا الدور. السبب أن الجمهور نفسه بات يرى أن النجاح الحقيقي يقاس بالأرقام: عدد المشاهدات على المنصات، الحفلات المباعة بالكامل، التفاعل على وسائل التواصل، والانتشار العابر للحدود. أما الجوائز، فهي بالنسبة للكثيرين مجرد صور على السجادة الحمراء وخطابات بروتوكولية تنتهي مع انتهاء الليلة.

غياب العدالة في التكريم

ما يزيد من إضعاف قيمة هذه الجوائز هو تهميش أسماء كبيرة ورموز فنية صنعت تاريخ الأغنية العربية ولم يتم تكريمها كما تستحق. من غير المنطقي أن يُحتفى بفنانين صاعدين لأسباب علاقات عامة بينما تبقى قامات راسخة خارج دائرة الاهتمام. هذا الغياب يُظهر أن معايير الاختيار ليست سوى معايير انتقائية مرتبطة بالمصالح الآنية لا بالإنجازات التاريخية.

الفنان نفسه لم يعد يهتم

حتى الفنانون أنفسهم لم يعودوا يعطون هذه الجوائز أهمية تُذكر. نرى الكثيرين منهم يتعاملون مع التكريم كحدث اجتماعي عابر، أو كمنبر للظهور الإعلامي ليس إلا. البعض يقبل الجائزة بدافع المجاملة، وآخرون يتغيبون عن حضورها أساسًا، في مؤشر واضح على أنهم يدركون أن قيمتها المعنوية لم تعد كما كانت.

بين الجائزة والواقع

النجاح الفني الحقيقي اليوم لم يعد ينتظر ختم تكريم. فالفنان الذي يحقق انتشارًا واسعًا، ويملك قاعدة جماهيرية صلبة، ويقدّم أعمالًا مؤثرة، لا يحتاج إلى درعٍ أو شهادة من مهرجان كي يُثبت مكانته. العكس تمامًا هو ما يحصل: الجوائز باتت تحاول التمسّك بنجومية الفنان لتكتسب هي بريقًا من حضوره، بدل أن تعطيه هي بريقًا إضافيًا.

الخلاصة

جوائز التكريم الفنية في العالم العربي فقدت مصداقيتها وقيمتها الرمزية منذ أن أصبحت قائمة على المجاملة والعلاقات بدلًا من الإنجاز والاستحقاق. لم تعد ترفع فنانًا أو تُنقص من قيمة آخر، ولم تعد تعكس حجم النجاح أو التأثير في الساحة. هي مجرد احتفالات اجتماعية وإعلامية أكثر مما هي محطات تكريس حقيقي. وفي زمن المنصات الرقمية والأرقام الشفافة، لم يعد الجمهور ولا الفنانون أنفسهم يضعون وزنًا لهذه الجوائز التي صارت أشبه بزينةٍ فاقدة المعنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى